السلام عليكم ورحمة الله
سلم على يسراه لكأنما يقرأ العالمين جميعاً السلام مودعاً, إلتقط كوفيته المسجاة على الأرض التي كان قد فرشها قبل الصلاة كي يسجد عليها كيفما اتفق هو و من تسنى لهم بجواره تحت مظلة كبيرة خارج المسجد.
انتبه لصوت صديقه أن إلتقط هاتفك المحمول أولاً , تذكر أنه سقط من جيب معطفه في الركعة الأولى بينما كان منشغلاً يفكر فيما تلاه الإمام (( قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفذ البحر قبل أن تنفذ كلمات ربي و لو جئنا بمثله مددا )) رغم تأففه من أخطاء الإمام اللغوية التي لا تغتفر يراه مصاباً بداء الوطن كله لا يملك من مقومات الإمامة ولا الخطابة سوى الضغط على حرف التاء حتى يئن تحت لسانه مستغيثاً فيسمع _هو وحده _أنينه قادماً من شرق البحر الأحمر من بلاد يرى الناس كل ما يأتي منها مقدساً .
غفر له جهله فهو مجرد مجند يتلو ما روجع من قِبَل ضابط لا يعرف عن الدين سوى التراص المستقيم خلال الصلاة .
الحر خانق رغم أنه يذكر أن قبل الصلاة حطت على أنفه بقعة من مطر كاذب , تمنى لو لم يرتد هذه الكوفية , تألم لمجرد تذكره أنه سيرتدي حذاءه الضيق الخانق .
ومض بباله أنه سمع خلال الركعة الأولى صوتاً يقول ( الزيارة انتهت )
قال له صديقه : يبدو أنهم سينهون الزيارة اليوم مبكراً
تبسم في داخله كأنما صادف هذا هوىً في نفسه
نظر حوله بعين هائمة يبحث في الوجوه عن أصدقاءه الثلاثة الذين رافقوه في زيارتهم هذه وجد أحدهم على مرمى حجر منه ينفض عن بنطالهما علق به من رمال ثم وجدا الآخران بجواره دون أن ينتبه لوجودهما .
سلموا على صديقهم المجند مودعين و اتجهوا خارجين من بوابات وحدة الجيش .
عاودته خاطرة قديمة لا يدري أيمتن إذ لم يصبه القدح في أن يلتحق بالخدمة العسكرية أم يندم لما فاته من تجربة كان يود خوضها .
توجه ورفاقه لأقرب مكان استقلوا منه سيارة أجرة للمندرة بينما نزل أحدهم قبلهم في المنتزه ليخطف حقيبة ملابسه _ بحسب تعبيره _ من الشقة التي يسكنها ليقضي ما تبقى له من إجازته في بلدته .
انتظروه في الناحية المقابلة من الشارع لنفق المنتزه ؛ لا يدري لم انتظره معهم ولم لم يستقل عربة توصله لوجهته ولم لم يفعل هذا من أمام وحدة الجيش رغم وجود العربات التي ينشدها , انتبه لحضور رابعهم من بعيد يهرول ناظراً إليهم وحين اقترب منهم قال موجهاً حديثه له هو تحديداً ( بنا لنذهب )
لم يبد على هيئته الإصرار على ما انتوى فعله أو حتى الرفض لما قاله صديقه بل كان كالمنوم مغناطيسياً لا يسمع سوى صوت منومه ولن يسمع غيره حتى يتم ما أمره به .
قال لهم إلى اللقاء و هو يحس أن لا لقاء آخر سيجمعه بهم , لم ينظر إليهم واستدار مباشرة سمع صديقه يخبره أن يشير للسيارات ذات الشريط الأزرق فهي التي ستحمله لوجهته . هز رأسه بأنه يعلم دون أن يستدر له .
أحس و هو يعبر الشارع أن ثلاثتهم يرقبونه كلٌ بِنِيَتِهِ .
وقف منتظراً حتى وجد مكاناً شاغراً بإحدى حاملات الألوية الزرقاء _ كما عن له أن يسميها _ في المقعد خلف السائق , يكره هذا المقعد حين يكون منشغلاً يفكر فهو المعبر الوحيد للأجرة المتجهة للسائق لا يدري لماذا هو دائماً رغم وجود راكب على يمناه و آخر على يسراه تذكر السلام في ختام الصلاة .
نبهه هواء البحر المنعش القادم من رجاج السيارة الموارب للغيوم المخيمة والحاجبة للشمس لم ينتبه لها لأن الجو كان لا يزال حاراً خانقاً , تمنى لو لم يرتد هذه الكوفية لكنها أدت دورها كسجادة صلاة بقدر ما تسنى لها .
هيج ذكر الكوفية في مخيلته أن الشيخ صلى في الركعة الثانية بسورة الضحى , لا يدري لم تذكر ذلك عله الجو الغائم الشبيه بوقت الغروب الذي بقي عليه ساعات أربعة .
انتابته انتباهة مفاجئة دون يبد لها أثر على ملامحه حين مر بالسيارة آخر أبراج كوبري ستانلي عابراً للخلف .
تبسم حين مر بمخيلته هيئة صديقه بالزي العسكري غير المهندم عليه _ وهو الحريص على هندامه دوماً _ نظراً لأنه ارتدى المتاح في الوحدة لأنه ما يزال في فترة التدريب ولم يحصل على إجازات بعد .
حين مرت السيارة أمام مسرح السلام الذي يشبه في بنيانه القبة السماوية لمكتبة الإسكندرية رأى أفراد الشرطة يشيرون للسائق أن استدر و عد أدراجك أو اذهب حيث تشاء لكن لن تمر من هنا .
استدار السائق بحاملة اللواء الأزرق المهترئة دون أن ينبس هو أو هي ببنت شفة , فأشار عليه أحد الركاب أن يدخل شارع أبو قير فهو بعيد عن البحر وسيجد التشديد الأمني به أخف وطأة فاستجاب السائق على أمل صدق تنبؤ الركاب .
قال أحد الركاب : لو خرج الرئيس علينا بخطاب لهدأت الأجواء
فرد عليه آخر بأن الرئيس عنيد جداً .
صدح في أذنه صوت الشيخ مصطفى إسماعيل (( أفمن زُينَ لهُ سوءُ عملِهِ فرآهُ حسَنَاً )) صدق الله العظيم .
بينما تشق بهم السيارة الطريق البديل بدا له المنظر مألوفاً نظر من النافذة اليسرى فطالعه الاسم السامق على جدار المبنى ( مستشفى جمال عبدالناصر )ضاقت حدقتاه كأنما يمسك بالاسم ولا يريد إفلاته لكن العربة المهرولة سرعان ما انتزعت الاسم من أحضان محجره فزفز زفرة على قصرها اهتزت لها روحه .
هو ليس ناصرياً ولا متيم بناصر بل بالعكس هو يكره كل التجارب التي نهضت باللقمة على حساب الكلمة التي لا تسير في ركابها يمقت القمع حتى لو لفئة ضالة .
لكنه تحسر على الأمل الغائب ,فهو لم يخرج طلباً لفرصة عمل هو في أمس الحاجة لها أو اعتراضاً على قمع العسس الذي يراه يومياً, ربما لم يجربه شخصياً لكنه يألم لكل من ذاقه .
نعم هو الأمل (( ولسوف يعطبك ربك فترضى )) أنى يعطيني ربي و أنا لم أعمل لأن يعطيني _هكذا راودته نفسه _ (سحقاً لمن وأد الأمل بداخلنا )
نعم هو الأمل يريد هدفاً و إن رآه نقطة في نهاية الطريق المهم أن يوجد , لم يخرج بحثاً عن هذا الهدف بل خرج ليوجد هذا الهدف من العدم .
أيقظه من تأملاته وقوف السيارة أمام مفترق طرق لتعبر سيارات الأمن المعبأة بجنود تطل خوذاتهم من الفرجات في جوانبها , لفت نظره أن هذه السيارات ليست زرقاء كالحة بل لونها أخضر زيتي .
هو يحب الأزرق بل ويستريح لمرآه في درجاته الفاتحة المبهجة لكنه يكرهه حين ترتديه هذه السيارات العملاقة.
أين رأى الأزرق المحبب لآخر مرة تبسم حين تذكر
إنها سترة صديقه المجند في البحرية يحس أنه يذكر ماضٍ طال مروره رغم أنه لم تمر ساعة على فراقه هو وسترته الزرقاء , لكنه رآى بعدها خيطاً أزرق يحزم راحلته التي يستقلها .
تمنى لو تعلق بإحدى هذه السيارات فهي وحدها التي ستحمله يقيناً لوجهته ربما بل بالتأكيد يختلفان في سبب التوجه لكنهما _ هو و العملاقة الزيتية _ يتفقان في الوجهة.
انتابته رغبة في أن يشعل سيجارة لكنه تنبه لأنه في سيارة أجرة.
السائق يلمح لأنهم اقتربوا من المنشية بينما هم لم يعبروا بعد الشارع المؤدي لمستشفى الشاطبي التي يسيرون الآن بموازاتها .
راودته نفسه تُرى هل يعلم بأنه ليس من أهل المدينة ؟؟؟
أراد أن يذكر كل ما مر وما سيمر به كي يدونه ويعرضه على أصدقاءه لكنه تذكر أنه يكره كل ما يكتب حين حين يحوله من الورقة إلى الشاشة .
وعن له الخاطر الذي يلازمه منذ الأمس غير جازع منه
أن هذا هو آخر أيام حياته .
....................................................................................
الساعة 1.28
بعد منتصف ليل جمعة الغضب 28 يناير2011