في تلك الليلةعلى تلك البقعة الصافية من الأرض كصفاء السماء من فوقها .
تهيأ الجميع للحدث المهم الذي تجمعوا من اجله ونسى أو تناسى كل منهم أيا مما يضمره تجاه أي من الحضور.
أقيمت المأدبة للعشاء ودعي لها الكبير والصغير,الغني والفقير,الكبار على دفعات فعندما يزدحم الخوان ينتقل من زاد إلى غيره ومن زاد عن الكل ينتظر الدفعة التالية
فإذا فرغ الكبار أعدت مأدبة الصغار كلهم على خوان واحد.
وانفض الطعام وبدأ العجوز المفترش الحصير يتلو الترانيم التي حفظها وتوارثها عن أبيه وجده وجد جده وجلس حوله تلاميذه من محبي آل البيت كالحواريين حول المسيح يرددون معه أو خلفه منهم من يعيها جيدا ومنهم من يحفظها دون علم معناها, ومنهم من يقرأها من ورقة ,وغيرهم من يردد القافية ليس إلا.
وما أن انتهت الترانيم والأذكار التي وقف صاحب الليلة ينظر لقارئيها بإجلال حتى بدأ قارعي الدفوف يحمون دفوفهم بينما وقف الجميع وتراصوا في صفين متقابلين
واخذوا يرددون كلمة الله في نفس الصوت واخذوا يحركون رؤوسهم في تؤدة كل صف في عكس اتجاه الآخر.
ثم بدأ الناي في الحديث مع عزف من صوت المنشد الذي بد أفي منتهى البطء في مدح آل البيت ثم بدأ يزيد من سرعته تدريجيا ومعه بدأت سرعة تراقص الأجساد تزداد أيضا بالتدريج الله الله الله .
وبينما تزداد حركة الصفين كلا في جهته وقف هذا الصغير متأملا حال والده الذي لا يمل يأمره بالكف عن اللهو فلماذا يلهو هو وبجانب ذلك الصغير جلس الأطفال بين الصفين يشاهدون .
وفوق كل هؤلاء تراصت النساء فوق أسطح المنازل ومن شرفات الطوابق تنظر كل منهن بغيتها فهذه وقفت لترى من انتظرت هذا اليوم كي تراه ,وتلك وقفت لترى حب الزمن الغابر ,بينما وقفت إلى جوارها من تحاول الهاء صغيرها عن البكاء بمنظر جده المتراقص.
الكل يتحرك حتى ذاك العاجز الذي لا يقوى على الوقوف ومجاراة غيره جلس على الأريكة يهز رأسه وكتفيه الكل يتحرك.
بينما الذاكرين _كما يحلو لهم أن يطلقوا على أنفسهم_هكذا اشتد اندماج المنشد وأخذ يهتز هو الآخر وكذلك ضاربي الدفوف صوت الناس يعلو يعلو الحركة تزيد احتقن وجه ذلك الرجل في منتصف الصف ازدادت اهتزازاته وتمايلا ته صار لا يفكر في شيء فهو كالغصن في مهب الريح ذاهب آت صاعد هابط صاعد هابط هابط هابط حتى هوى على الأرض لم يلتفت أي من الذاكرين إليه فهذا منظر مألوف لديهم فهو إما به مس من الجن (ملبوس) أو أن الجلالة قد أخذته ,بينما هو في الحقيقة قد أرهقه التمايل وتتابع ضخ الدم إلى مخه حتى فقد الوعي